مدينة مساكن تونس
Francais English Italiano Espanol Chinese russian عربي كن مراسلا للموقع rss feed
       المغرب العربي: عراقة التراث و حاضر التهميش - عبد الحميد رويس التاريخ: السبت 15 سبتمبر 2007 1
صفحات من تاريخ مساكن منير رويس 2
صفحة المرحوم الأستاذ صالح بن عبد الجليل 3
الأستاذ الفاضل صالح بن عبد الجليل كما عرفته: الزيتوني الأصيل! شهادة لطفي المجدوب 4
على هامش شهر التراث بمساكن من يهتمّ بهذه المعالم؟ الأستاذ صالح بن عبد الجليل 5

الأستاذ الفاضل صالح بن عبد الجليل كما عرفته: الزيتوني الأصيل! شهادة لطفي المجدوب


شهادات و ذكريات...
صحن الجامع الكبير بمساكن
صورة لصحن الجامع الكبير في مدينة مساكن الذي احتضن علاوة عن دروس الفرع الزيتوني
الدروس الصيفية لجمعية المحافظة على القرآن الكريم


الأستاذ الفاضل صالح بن عبد الجليل كما عرفته: الزيتوني الأصيل!

الأستاذ لطفي المجدوب


يعتبر الأستاذ المربي الفاضل صالح بن عبد الجليل من جيل الطلبة الزيتونيين ـ نسبة إلى جامعة الزيتونة التونسية العريقة ـ الذين عاصروا مرحلة استقلال البلاد التونسية عن المستعمر الفرنسي سنة 1956، حيث ساهم هذا الجيل بدور فعال ومباشر في بناء الدولة التونسية الحديثة.

فرغم الغبن الذي لحق بهذا الجيل من تهميش وتشويه وتشريد لقادته ومشائخه الذين اختار قسم كبير منهم الهجرة إلى المشرق العربي، خاصة بعد القضاء على أعرق جامعة إسلامية في العالم الإسلامي، الجامعة الزيتونية، واستيلاء الدولة على أوقافها التي كانت مصدر تمويلها واسقلاليتها، بدعوى توحيد التعليم في تونس الحديثة، رغم هذه المحنة الرهيبة فإن هذا الجيل الزيتوني لبّى نداء الواجب فانخرط في أجهزة الدولة الحديثة المفتقرة إلى متعلمين ومثقفين ورجال تعليم خصوصا، فالجيل المتخرج من المدارس الفرنسية أو المدارس التي كانت لغة التعليم فيها مزدوجة، كالمدرسة الصادقية مثلا، كانوا لا يمثلون سوى نسبة ضعيفة من المتعلمين، فالتعليم الشعبي كان زيتونيا بامتياز، حيث أن الجامعة الزيتونية بالعاصمة ـ تونس ـ وفروعها الثانوية بمختلف مدن البلاد التونسية كان يقدّر عدد طلابها بأربعين ألف طالب، وهو عدد مرتفع نسبيا إذا أخذنا بعين الإعتبار عدد سكان البلاد في ذلك الوقت الذي كان لايتجاوز ثلاثة ملايين ساكن على أقصى تقدير.
نعم لم يكن لهذا الجيل الزيتوني تأثير في توجّهات الدولة البورقيبية لاعتبارات معلومة، غير أنه لا يمكن تجاهل ما قام به هذا الجيل من عمل جبار في نشر الثقافة والتعليم بربوع البلاد. ومن رجالات هذا الجيل أستاذنا الفاضل صالح بن عبد الجليل، رحمه الله، الذي قضى أكثر من أربعين سنة مربيّا ومعلما لأجيال متعاقبة من أبناء تونس الحبيبة فلم يبخل عليهم لحظة بجهده وعطائه، فلقد درّس في مختلف مدن البلاد ولم يشتك من الترحال والنقل المتعاقبة فكان مؤمنا برسالته التعليمية المقدسة.
لقد كان طموح أستاذنا، رحمه الله، كبيرا إذ لم يطل به المقام بالتدريس بالتعليم الإبتدائي، حيث واصل تعليمه الجامعي وتحصل على شهادة الأستاذية في العلوم الإسلامية بعد أن التحق بالبلاد الليبية، حيث أنه لم يعد هناك تعليم عال بتونس بعد غلق الجامعة الزيتونية، إلى حدّ بعث الجامعة التونسية في أواخر الستينيات من القرن الماضي. ثم التحق الأستاذ صالح، رحمه الله، بالتعليم الثانوي حيث واصل مسيرته التربوية. لقد كان الأستاذ صالح شديد الغيرة على مادة التربية الإسلامية التي كان يدرّسها في المعاهد الثانوية التي لحقها الكثير من التّهميش، ذلك أنها لم تكن معتبرة من المواد الرئيسية كمواد اللغتين العربية والفرنسية و الرياضيات والكيمياء وغيرها من المواد، فضاربها ضعيف جدا بمعنى أن العدد الذي يتحصل عليه الطالب في مادة الرياضيات يضرب في أربع مرات أما العدد الذي يتحصل عليه في مادة التربية الإسلامية فيبقى كما هو دون مضاعفة، وهذه طريقة فرنسية ضيزى في حساب المجموع العام للطلاب. وهذه الطريقة جعلت الطلاب يزهدون في الاهتمام بالمادة حضورا وإعدادا، فحصة التربية الإسلامية والتي عادة ما تكون بعد حصص "المواد الهامة" التي يحتاج فيها الطالب للتركيز والإنتباه، أصبحت حصة راحة ودعة وكذلك تسلية للطلاب، مما جعل أساتذة مادة التربية الإسلامية تحت ضغط شديد مما يلاقونه من عدم مبالاة واهتمام من قبل الطلبة، وما من أحد من أساتذة المادة كان قادرا على شدّ اهتمام الطلبة لما يقول إلاّ من كان فعلا مقتدرا وذا ثقافة واسعة، وكان الأستاذ صالح، رحمه الله، أحد هؤلاء فلقد كان حازما وجادا في عمله وما كان ليرضى لنفسه ومادة التربية الامتهان والانتقاص لا من الطلبة ولا من بعض الأطراف الأخرى التي كانت تسعد بما آلت إليه أوضاع المادّة من تسيّب. فلقد روى لي مرّة، رحمه الله، أنه و في إحدى جلسات مداولات نتائج الطلبة، وتسمى مجلس القسم، وعند الوصول إلى مداولة نتائج مادة التربية الإسلامية قام أحد الأساتذة مخاطبا المدير، رئيس الجلسة، قائلا: دعنا من مادة التربية فكل وليّ يربّي أولاده في بيته! فما كان من الأستاذ صالح، رحمه الله، إلاّ وردّ عليه بسرعة وبحزم قائلا: لو كان الأمر كما تدّعي لربّاك أبواك ياعديم التربية!
لقد كانت تجربة الأستاذ صالح، رحمه الله، في الحياة واسعة، ولقد استفدت من تجربته كثيرا خاصة بعد تخرجي من كلية الشريعة وأصول الدين سنة 1986، والتحاقي بسلك التعليم الثانوي، فلقد ربطتني بالأستاذ صالح، رحمه الله، علاقة أستاذ بتلميذه أكثر من علاقة أستاذ بزميله. فلقد كان، رحمه الله، سعيدا برؤية جيل جديد شاب من أساتذة التربية الإسلامية، والذي كنت واحدا منه، سُمح له بالإلتحاق بالكلية الزيتونية بعد الحصول على شهادة الثانوية العامة ابتداء من سنة 1976، حيث أن هذه الكلية كانت تقتصر في قبول طلبتها على خرجي الجامعة الزيتونية المنحلة، والذين كان أغلبهم قد التحق بالتعليم الإبتدائي أو غيره من الوظائف، لذلك كانت محاضراتها مسائية، فهذا الجيل وإن لم تكن له أسس تعليمية زيتونية، فإنه بالتحاقه الإختياري بالكلية الزيتونية كان يعتبر امتدادا للجيل الزيتوني الأول، حيث كان هناك اتفاق من حيث المبدإ على دعم الهوية العربية الإسلامية للبلاد والتصدي لتيار التغريب.
لقد كان الأستاذ صالح، رحمه الله، واع بما يمكن أن يصطدم به هذا الجيل من مصاعب وعراقيل من قبل تيار العلمنة في البلاد، فكثيرا ما كان ينصحني وقد رأى فيّ حماسة الشباب واندفاعه مذكرا بمقولة كان كثيرا ما يردّدها وهي: لاتكن صلبا فتكسر ولا تكن ليّنا فتعصر. فكان منهجه الوسطيّة في التعامل مع الأحداث والوقائع، ولعل معايشته لكلّ التقلبات السياسية والإجتماعية و الثقافية التي عرفتها البلاد كانت تضعه في موقع الحذر وعدم المخاطرة خاصة في التعامل مع الأوضاع السياسية. فهو لا يحمّل السلطة نتائج الصدام معها، بل يحمل الأطراف الأخرى كذلك المسؤولية، وذلك بعدم اختيار الطريقة المثلى للمعارضة، فلقد كان يلخّص هذه المسألة بكلمة لطيفة وهى قوله: إذا كنت تعلم أن هناك حائطا يريد أن ينقض، فلا تقترب منه فيسقط عليك!
ورغم كره الأستاذ صالح، رحمه الله، لمصادمة السلطة فإنه لم يعرف عنه تملّقا ولا تقرّبا لها، والدليل على ذلك أن الإمامة والخطابة قد جاءته حرّة، كما ذكر ذلك الشاعر الفذ البشير موسى في مرثيته:

حتى جاءتــك الإمامــــــة حـــــرّة *** أدّيتها فعلا وقولا واضحـــــــــا

صحيح إن هذه الإمامة جاءت مـتاخرة ولكنها جاءت حرة دون شروط ولا قيود، فقبلت السلطات بالأستاذ كما أراد هو لا كما أرادت هي، فأدّى حقها عن جدارة. حقيقة إن لجوء السلطة إلى هذا المعين الزيتوني الصافي الذي نخشى نضوبه بطول الزمن وغياب رجالاته واحدا بعد الآخر، وتخلّيها عن مبدإ الولاء قبل الكفاءة في بعض الأحيان أو عند الضرورة، دليل على أن أن هذا الجيل الزيتوني رقم صعب في هوية البلاد لايمكن تجاهله أو تجاوزه.
لقد كان للأستاذ صالح، رحمه الله، قبل الإمامة والخطابة نشاط وإنتاج ثقافي وفكري كذلك، والتي نرجو بالمناسبة أن يتمكن المشرفون على هذه الصفحة، بتعاون كل أصدقاء الأستاذ من جمعه ونشره. وهنا أتعرض إلى تجربة أخرى شاركته فيها وهي النشاط الميداني في المجال الثقافي، وكان ذلك بنادي الفكر الإسلامي بدار الثقافة بمدينة مساكن. حيث كان الأستاذ صالح، رحمه الله، ورغم قيمته العلمية والأدبية قد أبى إلا أن أكون رئيسا للنادي، حيث أن هذه الخطة ستوجب منّي تصدّر المجالس و تقديم المحاضرات و إدارة الندوات والنقاشات. وأبى، رحمه الله، إلا أن يكون عضوا عاديا في هيئة النادي، وفي الحقيقة لم يكن كذلك بل كان عضوا نشطا لايمكن الإستغناء عن نصائحه وتوجيهاته. وأذكر أنه، رحمه الله، وفي جلسة داخلية للنادي لاختيار عنوان للمجلة الحائطية للنادي والتي كانت تعرض في بهو دار الثقافة، قد اقترح العنوان التالي: هذه سبيلي، انطلاقا من الآية الكريمة في سورة يوسف: "قل هذه سيبلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني." (يوسف:108)، ورغم أنه وقع الإختيار على عنوان أخر للمجلة وهو: النور، إلا أنه وقع إثبات هذه الآية تحت العنوان. ذلك أن هذه الآية الكريمة فيها دعوة إلى المنهج الواضح العلني الذي لايعرف اٍلتواء ولاخبايا، وهو حقيقة منهج الأستاذ في عمله كله.
إن بوفاة الأستاذ صالح يكون الوطن قد فقد رجلا هو في أشدّ الحاجة إليه، خاصة في مواجهة أخطار التصحّر الدّيني من ناحية وعلوّ أمواج تيار الغلوّ و التطرف من ناحية أخرى، مما يهدّد منهج هذه الأمّة القائم على الوسطيّة والاعتدال.
رحم اللّه أستاذي الفاضل الإمام الخطيب صالح بن عبد الجليل الزيتوني المساكني الشريف رحمة واسعة وأسكنه فراديس جنانه، إنه وليّ ذلك والقادر عليه. آمين آمين آمين