مدينة مساكن تونس
Francais English Italiano Espanol Chinese russian عربي كن مراسلا للموقع rss feed
       المغرب العربي: عراقة التراث و حاضر التهميش - عبد الحميد رويس التاريخ: السبت 15 سبتمبر 2007 1
صفحات من تاريخ مساكن منير رويس 2
صفحة المرحوم الأستاذ صالح بن عبد الجليل 3
الأستاذ الفاضل صالح بن عبد الجليل كما عرفته: الزيتوني الأصيل! شهادة لطفي المجدوب 4
على هامش شهر التراث بمساكن من يهتمّ بهذه المعالم؟ الأستاذ صالح بن عبد الجليل 5

 

 

 

المغرب العربي: عراقة التراث و حاضر التهميش - عبد الحميد رويس
التاريخ: السبت 15 سبتمبر 2007
الموضوع: مقالات وآراء


أصالة الحضارة, ثراء الماضي و دور ريادي في رسم ملامح التراث العربي, أقل ما يمكن أن نصف به إقليم المغرب العربي الذي يشهد له التاريخ بوجود فاعل ضاهى في قيمته مدن شرقنا العربي بدء من بغداد و دمشق وصولا إلى القاهرة, لكن حاله اليوم لا يقل سوءا عن حال تلك المراكز التي طالما كانت عواصم للحضارة و منبعا لتطورها و تجددها, إن القادح اليوم لطرح أزمة أمتنا بالمغرب العربي و بيان عراقتها الممتدة إلى يومنا هذا هو محاولات تهميشها من قبل الاستعمار و القوى الإمبريالية العالمية المتصهينة و ردا على محاولات إرجاع أصولها إلى أصول بعيدة عنها كالأمازيغ و الفينيقيين و غير ذلك مما يروجه أعداء الأمة كافة ,فما هو الدور التاريخي الذي تقمصه المغرب العربي في بناء المدنية العربية؟ هل اندثرت حقا ملامح الشخصية العربية منها؟ و ما مصلحة تلك القوى في طمس الهوية العربية و نفيها من الأقطار العربية بالمغرب؟ و ما هي مسؤولية الجبهات التقدمية العربية في مجابهة ذلك الخرق الخطير؟
 

 عرضت قناة تركية منذ أسبوعين تقريبا برنامجا ورد فيه احتجاج من أحد المتكلمين مفاده أن تونس ''كلها تتكلم الفرنسية'' بعد أقل من ثمانين سنة من الاستعمار الفرنسي بينما لا يعرف سكانها أي كلمة تركية على خلفية الاستعمار التركي للبلاد الذي دام عدة قرون, هذا التصريح استفز المشاهد العربي و جعله يتساءل عن وضع بلاده التي باتت في نظر الآخر مشاعا مهملا يحتاج إلى من يسيطر عليه و يرتقي به إلى الحضارة و المدنية, خاصة مع مواكبته التحضيرات العسكرية التركية على الحدود العراقية بحجة الخطر الكردي, ناهيك عن التسمية الأمريكية للمنطقة بالشرق الأوسط الكبير التي جعلت منها خليطا متجانسا و غيبت الوجود العربي برمته في تلك التسمية الشاذة التي تعبر عن شخصية القيادة الأمريكية, و أيضا مشروع الإتحاد المتوسطي الذي يتحفنا به اليوم ساركوزي بعد أن أنهار مشروع الشراكة القادم من بلاد الأندلس المفقود, كل ذلك تسانده الشركات المتعددة الجنسيات التي تستوطن أراضينا و تحتكر اقتصادياتنا, ناهيك عن الوحدة الإفريقية التي يسعى لها الرئيس الليبي,  لم يعد الإنسان العربي يدرك شيئا في دوامة الاتحادات التي تأخذه إلى أعماق مظلمة و مجهولة,
إن الإنسان العربي يواجه انتماءات متعددة قد تفقده حقا انتماءه الأصلي  لينصهر في دوامة العولمة و الاغتراب عن ذاته, لدرجة أن البعض قد انساقوا وراء تلك البروباجندا السياسية و تناسوا أصالتهم لينجروا لاشعوريا تحت تضليل الحضارة الزائفة, هذا هو حال أمتنا اليوم و حال مغربها الذي تحمل مسؤولية الارتقاء الحضاري على مدى التاريخ حتى فترة التحرر من الاستعمار الأجنبي, بعد أن حمل على عاتقه مسؤولية الدفاع عن الحضارة العربية في عدة مناسبات لاسيما عند سقوط أقطاب الحضارة في المشرق جراء غزو المغول و التتار و الروم و سيطرة الأقليات و القوميات الدخيلة على مقاليد الحكم كما أنه قد مثل في مناسبات عديدة حارسا لبوابة الحضارة من الغرب,

 

 و سوف نضرب أمثلة تاريخية لذلك, بدءا من القيروان مثلا التي لعبت دورا رئيسيا في القرون الإسلامية الأولى، فكانت العاصمة السياسية للمغرب الإسلامي ومركز الثقل فيه منذ ابتداء الفتح إلى آخر دولة الأمويين بدمشق .
 

 وعندما تأسست الخلافة العباسية ببغداد رأت فيها عاصمة العباسيين خير مساند لها لما أصبح يهدد الدولة الناشئة من خطر الانقسام والتفكك. ومع ظهور عدة دول مناوئة للعاصمة العباسية في المغرب كالدولة الرستمية من الخوارج في الجزائر، و الدولة الإدريسية العلوية في المغرب الأقصى. وكانت كل دولة من تلك الدول تحمل عداوة لبني العباس خاصة الدولة الإدريسية الشيعية التي تعتبرها بغداد أكبر خطر يهددها. لهذا كله رأى هارون الرشيد أن يتخذ سدا منيعا يحول دون تسرب الخطر الشيعي. ولم ير إلا عاصمة إفريقية قادرة على ذلك، فأعطى لإبراهيم بن الأغلب الاستقلال في النفوذ وتسلسل الإمارة في نسله. وقامت دولة الأغالبة (184-296هـ / 800 -909م) كوحدة مستقلة ومدافعة عن الخلافة.
 

 وقد كانت دولة الأغالبة هذا الدرع المنيع أيام استقرارها، ونجحت في ضم صقلية إلى ملكها عام 264 هـ / 878 م، وقام أمراؤها الأوائل بأعمال بنائية ضخمة في القيروان ذاتها ومنها توسيع الجامع في القيروان، وتوسيع الجامع في تونس، كما عمل الأغالبة على الاهتمام بالزراعة والري في المنطقة، وأقاموا الفسقية المشهورة. أما في فترة تداعي أسس الدولة العباسية أقامت الخلافة الفاطمية عاصمتها في ثلاث مدن تونسية و ذلك بالتوالي في القيروان: 909-920 م ثم المهدية و تونس في 820-973 م قبل أن تسمح الظروف لنقل العاصمة إلى القاهرة بعد انهيار الحكم الأخشيدي في مصر الذي كان يخشاه الفاطميون لتنطلق حملات الانتشار و التوسع من وسط الجزائر وصولا إلى  حلب شرقا و مكة جنوبا لتضع حدا لتوسع الديلم اللذين يحكمون إيران و جزءا من العراق و كذلك البيزنطيين في الشمال الشرقي للمتوسط, ناهيك عن دور المغرب في نشأة الدولة الأموية بالأندلس و من بعدها محاولة المرابطين القضاء على ملوك الطوائف و تمكنهم من الانتصار انتصارا ساحقا على قوات الملك القشتالي ألفونسو السادس. كان للمعركة تأثير كبير في تاريخ الأندلس, إذ أنها أوقفت زحف النصارى المطرد في أراضي ملوك الطوائف الإسلامية وقد أخرت سقوط الدولة الإسلامية في الأندلس لمدة تزيد عن قرنين ونصف, كما لا ننسى دور الموحدين في توحيد جنوب اسبانيا و شمال إفريقيا أي إلى ما بعد طرابلس.
 

هذا دون أن نعرّج على الثراء العلمي و الأدبي و الفني الذي كان نتاجا للحركة الجغراسياسية في المنطقة حتى لا يتحول موضوعنا َإلى مجرد استعراض ممل للمكاسب الفكرية التي حققتها دول المغرب, لأن الموضوع ههنا يتحدث عن دور المغرب العربي في صيانة الحضارة العربية الإسلامية وضمان نموها و تقدمها في لحظات حاسمة من التاريخ كانت تشكل تهديدا مباشرا و عميقا لوجود الثقافة العربية الإسلامية ليس في المغرب وحده بل في كل المجال الحضاري للأمة.
 

ثم إن المتأمل في حال المغاربة اليوم لا يرى أي اختلافا عن البيئة العربية المشرقية سوى في بعض التفاصيل الجزئية و التي لا تؤثر على تكامل و ترابط الجمهور العربي, فربما لا يستطيع أحدنا أن يميز اللهجة الليبية من نظيرتها التونسية و المغربية من الجزائرية و لكن يتجلى الفرق بعد التدقيق أن اللهجة الجزائرية تختلف عن الليبية, تماما كما نلاحظ مثلا في أقطار المشرق من تجانس في لهجة السوريين و الفلسطينيين و اللبنانيين و الأردنيين و اختلاف مع العراقيين من جهة أخرى,
 

و لكن ذلك لا يحول دون أن يفهم التونسي لهجة السوري, و على كل حال تبقى اللغة العربية هي اللغة الرسمية لكل أقطار الوطن العربي, فإذا تواجد التوفيق بين اللغة العربية و الدين الإسلامي في روح الأمة اكتملت دعائم الثقافة العربية و انتصبت شاهدا على تماسكها و عراقتها, رغم الأطروحات العديدة التي تتقدم بها الأقليات و الأطراف الأجنبية التي تساندها, فمن البديهي أن تكون الأغلبية السكانية لصالح القومية العربية فمثلا بالجزائر يشكل العرب 70 بالمائة و قد شهد التاريخ أن الوجود العربي قد تعزز فيها حين تدفق على الجزائر مئات الآلاف من عرب الأندلس ضاقت بهم مدنها حتى اضطر العرب الأندلسيين لتشييد مدن جديدة كمدينة البليدة و مدينة القليعة,
 

كما تقطن الكثير من القبائل العربية في جنوب تونس كالمرزوقيين التي لا تزال تحافظ على تقاليدها الشبيهة جدا بتقاليد السعوديين بل أنهم يتكلمون لهجتهم و يلبسون لباسهم و يقيمون مباريات الخيل و الشعر كما يؤكد الدكتور "منير رويس" في أطروحة الدكتوراه التي تقدم بها أن سكان مدينة مساكن بولاية سوسة كما العديد من مدن الساحل قد أسسها عرب تعود أصولهم إلى الأشراف أي من آل البيت ويتصل نسبهم بـالحسين بن علي بن أبي طالب وينحدرون بالتحديد من إدريس بن موسى بن إسماعيل بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم.
 

 وتحمل العائلات الكبيرة بمساكن شجرات نسب تبين أصولهم, وقد قدم هؤلاء الحسينيون من المشرق إلى بلاد المغرب منذ القرن الثالث للهجرة وسكنوا القيروان أولا ثم اتجهوا في أعقاب القرن الثالث للهجرة إلى المغرب الأوسط وكونوا إمارة بـ "تاقدمت" ثم تفرقوا في أنحاء المغربين الأوسط والأقصى وبقوا هنالك إلى أن رجع بعضهم إلى القيروان وسكنوها مدة قصيرة ثم خرجوا عنها وكونوا تجمعا سكانيا جديدا بنوا فيه خمسة قصور يتوسطها الجامع المعروف بـالجامع "الوسطاني" وتحول التجمع إلى مدينة هي مساكن حاليا (كانت تسمى مساكن الأشراف),
 

 هذه أمثلة لتأصل العرب في المنطقة إلى اليوم, وقد لا يؤمن الكثيرون بالنزعة العربية التي تسود أقطار شمال إفريقيا لسبب تعالي أصوات الأقلية الصاخبة على حساب صمت الأكثرية, هذه الأصوات التي قطعت أشواطا كبيرة في عمق التطرف الذي يقودها للمناداة بالانفصال و محاربة الإسلام باعتباره الراعي للعروبة "الغازية" على حد تعبيرهم, نجد من هنا أن الضرورة تستدعي بعض الأطروحات التي انتقدت هذا التوجه الذي هو نتاج حالة العزلة التي أحدثها الاحتلال من جهة و من جهة أخرى ارتباط بعض النخب بروابط و ولاءات تتنافى مع الروح القومية, إنها أطروحة مصطفى ساطع الحصري في دفاعه عن عروبة مصر ضد إدعاء الدكتور طه حسين بأن مصر تحتفظ بهويه خاصة فرعونية الجوهر, نرد على الأقليات البربرية بنفس الرد قياسا, ذلك بأنه إذا كانت المشاعر البربرية تتأصل في وجدان المغاربة فإنه يجب معه أن تستعيد لغة البربر وحضارتهم، وأن المغرب العربي لا يمكن أن تنبذ العروبة الحية تحت دعوى الانتماء إلى حضارة جامدة,
 

و إلا أين الإنجازات الحضارية البربرية التي تعبر عن حيويتها الخلاقة؟ و لماذا تجمدت الأمازيغية مثلا منذ عشرات القرون و لم تخرج عن طابعها البسيط إلى شكل يتسم بالعالمية؟ لم يغفل أيضا الدكتور عصمت سيف الدولة عن تقديم رؤية منطقية لحال الأقليات إذ يرى أنه بعد الاستعمار التركي للوطن العربي كافة و بعد اقتسامه بين القوى الإمبريالية العالمية على خلفيات الاستعمار الأنجلو-فرانكفوني و ما أفرزه ذلك من انكفاء وقتي للثقافة العربية التي انشغلت بالتحرير, شهدت المنطقة صحوة بين ليلة و ضحاها للأقليات و مطالبتها المجحفة بالاستقلال حتى لو كان ذلك يعني وصاية فرنسية أو بريطانية أو غيرهما و ما لبثت تلك الحمى تنتقل إلى المغرب العربي و لو في فترة متأخرة نسبيا, يرى الدكتور سيف الدولة أن تلك الأقليات انحرفت عن دورها في كونها أحد أعمدة الحضارة القوية دون أن يمس ذلك بخصوصيتها و انجرفت وراء البروباجندا الإمبريالية مستغلة حالة الوهن العربي لتنجر وراء قياداتها التي لا تبحث إلا عن مصالح فردية مقابل تفعيل برنامج الانفصال و التجزئة في صلب الأمة, ليس المقصود من هذا القول أننا نقلل من قيمة الأقليات زورا, بل هو رد على محاولات الانفصال و تأكيد على أن المناعة لا يحض بها المشتتون,
 

إن التحديات الاقتصادية و الثقافية التي تطرحها قوى الاحتكار العالمية تتطلب أن يأخذ كل ذي حق حقه في كنف الوحدة, فنحن لا يمكننا أن نطمس 20بالمائة من سكان ليبيا مثلا الذين يتكلمون الأمازيغية بل إن الدولة العربية ليست مؤسسة عرق واحد أو عنصر واحد بل هي مؤسسة حضارة كاملة تبني و تتطور بتفاعل و ديناميكية الثقافات التي تحيط بها و التي تتعايش معها فانفصالهم يعني جمودهم و تقهقرهم جميعا, من هنا تأتي مسؤولية القوى العربية التقدمية, مرة أخرى, لا يوجد طريق يسمح بمواصلة العمل تحت مظلة إتحاد المغرب العربي إلا و يبدأ بحل جذري لقضية الصحراء الغربية و إرضاء الخصوم مع منع انفصال الإقليم لأن انفصال البوليساريو هو إجهاض لحلم المنظمة,
 

 كما أنه على المغرب خصوصا باعتباره البلد الذي تشتعل فيه أزمة هذه الأقلية أن تجد صياغة جديدة لإشراك المغاربة الأمازيع في اتخاذ القرار السياسي و فتح آفاق أرحب للحوار لتقريب وجهات النظر من خلال حلقات النقاش و المناظرات, كما إن العمل يجب أن يتركز حول محاولة إدماج البربر في الحياة العامة و إخراجهم من عزلتهم, علينا أن نتعامل مع التعدد العرقي و الطائفي كثروة حقيقية و كقادح للإبداع و الإنتاج كما ذهبت إلى ذلك الولايات المتحدة و ماليزيا,فقيم المواطنة هي الكفيلة لتجاوز لون الصراع الطائفي الذي يصبغ مجتمعاتنا ليكون الولاء للوطن أولا و آخرا لضمان البقاء و الاستمرار وسط دوامة التنافس العالمي على الثروة الذي يقصي مباشرة الأطراف الهزيلة و المشتتة بهدف ضمها إلى ممتلكاته "الإقطاعية" مجازا, إذ يبدو العالم اليوم كمملكة تقودها الولايات المتحدة التي تقتطع لحلفائها الذين يمثلون الأرستقراطية من الثروات التي تحتكرها, بينما تتقمص الشعوب الفقيرة دور الأقنان و العبيد, إن الحديث عن حقوق الأقليات اليوم في المغرب العربي هو حاجة ملحة لحل الأزمة قبل أن يستفحل بنا الداء, فقد يرى البعض أن الحديث عن حقوق الأقليات هو بداية لافتتاح خطاب تقسيمي, هذه هي العقدة التي جعلتنا في واقع الأمر مترددين تجاه إيجاد حلول راديكالية عادلة لمثل هذه القضايا.
 

 قد يختلف البعض حول جدوى الحديث عن تفعيل إتحاد المغرب العربي من جديد, و لكن التجربة نظرا لمكاسبها المتوقعة جديرة بإعادة إحيائها من جديد خاصة مع وجود الكثير من المغامرات البديلة التي قد تهدد الاستقرار الاقتصادي للأقطار المغاربية -رغم مكاسبها العديدة هي الأخرى-, لكن لا مانع من المحاولة على كل الجبهات التي من شأنها أن تفتح باب المصالح مع التركيز الأكبر على الشراكة المغاربية كتمهيد لشراكة عربية أكبر, كما أن العمل في مثل هذه المنظمات العربية(جامعة الدول العربية و مجلس التعاون الخليجي و اتحاد المغرب العربي..) يفيد بصورة نافذة في منع مخططات التقسيم الجارية في أقطار عديدة كالمغرب و السودان و لبنان و العراق خيرا من أن يتم التعامل معها بشكل قطري ضيق.
 

**عبد الحميد رويس
كلية الحقوق و العلوم الاقتصادية و السياسية بسوسة-تونس